الموت مع المسيح

سورين كيركجارد ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٢

"الروح هو الذي يُحي"

في كل حق قدمته المسيحية، وفي كل تعريف حتى أبسط التعريفات، نجد حقيقة أساسية مشتركة متضمنة، ألا وهي... "الموت".. الموت مع المسيح. في هذه الحقيقة الأساسية المشتركة، قامت المسيحية بتحصين نفسها ضد الفهم الباطل (الخاطئ). يعتقد البعض ويقول أن المسيحية هي العزاء الوديع وهي تحتوي على تعليم الوداعة والتعزية. نقول نعم هذا صحيح ولكن بشرط واحد مسبق أساسي، ألا وهو...الموت مع المسيح. هذا الموت ليس وديعاً وليس هادئاً!! إنهم يصورون المسيح هكذا، ويقولون اُنظروا المسيح، اسمعوا صوته، كيف يدعوا الجميع أن يأتوا إليه، كل المتعبين، وهو وعد بأن يمنحهم راحة لنفوسهم.

وهذه حقيقة وحاشا لي أن أقول شيئاً مخالفاً لها. ولكن، ولكن... قبل أن تصبح تلك الراحة نصيباً لنفسك، مطلوب منك أيها السامع أن تموت أولاً عن نفسك (كما دائماً يعلن المسيح الداعي المتعبين، وكما عبَّرت كل حياته على الأرض في كل يوم مبارك لها وفي كل ساعة). والآن، هل تجد دعوة المسيح لك لراحة نفسك، دعوة محببة لنفسك ؟!

 

إن الروح هو الذي يُحيي. نعم، أنه يُعطي الحياة عن طريق الموت. وكما في كلمات إحدى الترانيم القديمة والتي تعزي الإنسان لفقده أحد أحبائه، تقول الترنيمة "مع الموت بَدأتْ الحياة" وهكذا أيضاً في الحياة الروحية، فإن عمل الروح المحيي يبدأ بالموت. في يوم الخمسين، انسكب الروح القدس على التلاميذ، وكان بالحق هو الروح المحيي، ولذلك نرى حياتهم فيما بعد تُعبِّر عن هذه الحياة المنسكبة فيهم. (وأيضاً نرى في موتهم لأجل المسيح نفس التعبير عن الروح المُحي). وهنا نسأل: ماذا كانت حالة التلاميذ قبل يوم الخمسين؟ ليتنا نتعلم من حياة التلاميذ، مَن مثلهم قادرٌ أن يُعلِّمنا عن الموت عن العالم وعن الذات؟ من مثلهم كان يمتلئ بالتوقعات الواعدة. ولكن جاءت القيامة، ثم جاء صعود المسيح للسماء وذهابه للمجد. ثم ماذا بعد؟ لا يمكن لأي إنسان أن يتخيل حال التلاميذ بعد ذلك. أكثر البشر جُرأة وشجاعة، لا يمكن له أن يتمنى أن يكون أمامه العمل الشاق الذي كان أمام التلاميذ. لا، لا. أمام هذا العمل الشاق الموضوع أمام التلاميذ، كل رجاء بشري سوف يُصاب باليأس. ولكن، في يوم الخمسين، وفي وسط كل هذا اليأس، جاء الروح المحيي.

لذلك نرى أن التلاميذ كانوا في موت، موت عن كل رجاء بشري، موت عن كل ثقة في بشر أو في قوتهم الذاتية أو في عون بشري.

لذلك، وكما التلاميذ، "الموت أولاً"، ينبغي أولاً أن نموت عن كل رجاء أرضي، عن كل ثقة واتكال بشري، ينبغي أن تموت عن كل رجاء أرضي، عن كل ثقة و اتكال بشري، ينبغي أن تموت عن أنانيتك وعن العالم. لأنه من خلال أنانيتك، يأخذ العالم قوته وسطوته عليك. إذا مُت لأنانيتك، فأنّك مُت للعالم أيضاً. ولكن بالطبيعة، لا يوجد شئ يتعلق به الإنسان أكثر من أنانيته، إنه يتعلق بأنانيته بكل نفسه. آه، ليتك تفكر معي: في لحظة الموت الجسدي، تنفصل النفس عن الجسد، أقول لك أنه ليس مستحيلاً في حياة الإنسان أن ينفصل الإنسان عن نفسه ويموت عن ذاته! إن الإنسان لا يتعلق بجسده كما تتعلق أنانية الإنسان بنفسها.

 

أحياناً أشعر لمدة يوم أو لمدة عدة أيام إنني مُتعَب، مُسْتنزف، مسلوب القدرة، وكأنني أمر بلحظات موت، أجد نفسي أنا أيضاً أتنهد في نفسي قائلاً: "آه، أعطني الحياة، إن ما أحتاجه هو الحياة". أو عندما أُستهلَك بما يفوق طاقات احتمالي، وأعتقد أنني لا أستطيع الاحتمال أكثر من ذلك، أو عندما يكون كل ما أعطتني الحياة هو سوء الطالع في كل شئ يخصني، حتى أجد نفسي أغوص في كآبة، فأجد نفسي أتنهد قائلاً "آه، أعطني الحياة. إن ما أحتاجه هو الحياة". لكن، لكن..

ليس هذا بالضرورة ما تعتقد المسيحية أنني أحتاجه. ربما للمسيحية رأي أخر فيما أحتاجه.

ربما تقول لي: "لا، أنك تحتاج أولاً أن تموت تماماً عن ذاتك. هذا هو نصيبك من الحياة.

وإن مشكلتك هو أنك تتعلق بشدة بهذه الحياة والتي هي سبب آلامك في المقام الأول. لابد أن تموت أولاً". أقول لك أيها السامع، إنني لست إنسان يحب تعذيب البشر. إذا كنت أعرف أي كلمات تعزية، لكنت مستعداً جداً أن أعزيك وأخفف عنك. لكن يبدو في الواقع أنه من الممكن أن يكون احتياج المتألم ليس الحياة كما يعتقد هو بل إلى شئ أخر.. ألا وهو المزيد من الألم و التألم!! مزيد من الألم والتألم؟! من هو هذا الإنسان المتوحش الذي يجرؤ على قول ذلك الأمر البغيض؟ أيها القارئ، إنّ من تجرؤ على قول ذلك هي المسيحية! المسيحية التي يعرضها بعض الخاطئين في أوكازيون تحت شعارات مزيفة، شعارات من الراحة والتعزية. لكن المسيحية تقول أن الراحة والتعزية سوف يأتيان في الأبدية. لأن المسيحية ليست ما ندَّعيه نحن البشر، أنا وأنت. المسيحية ليست مثل الطبيب المُشعوذ الدجال. الطبيب الدجال هو رهن إشارتك مباشرةً ويقدم الشفاء سريعاً. المسيحية تنتظر قبل إعطاء الشفاء. المسيحية لا تشفي مباشرة عن طريق الراحة والعزاء. الراحة والعزاء سنجدهما فقط في الأبدية. ولكن أيضاً أقول لك، إذا أردت أن تحصل على الراحة والعزاء هنا على الأرض، فلا بد إذاً أن تموت أولاً عن ذاتك، وهكذا تحصل على فوائد الأبدية هنا على الأرض!!

وعندما تموت أنت، تموت عن ذاتك، تموت عن العالم الحاضر، أنت في نفس الوقت تموت عن كل قدرة ذاتية في شخصك، وتموت حتى عن منطقك البشري. بمعنى أخر، عندما تصبح كل ثقة في ذاتك وكل ثقة في معونة بشرية (ذراع بشر)، وحتى كل ثقة في الحصول السريع على إدراك الله (بطرقك الشخصية)، عندما تصبح كل احتمالات الإنقاذ مستبعدة، ويصبح الوضع مظلماً مثل ظلام الليل، هنا فقط يكون ما نتحدث عنه ونَصِفه هو فعلاً "الموت عن الذات". وهنا فقط يعمل الروح المحيي.. الروح الذي يأتي بالإيمان. إن هذه القوة أقوى من كل العالم أجمع، إنها تمتلك قوى الأبدية وأنها ثمر الروح المعطى من الله، أنها النصرة على العالم الحاضر والتي تصبح فيها في موكب الغالبين.

 

سورين كيركجارد

من كتاب: "دينونة المحبة.. والمحبة التي لم تـُحَب"

ترجمة: د. سامي فوزي