القلعة

عماد ميشيل ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٠

القلعة

 

يجب أن أتمم عملية بناء القلعة بأسرها وحدي, لا ينبغي أن يراني أحد أثناء عملية الإنشاء؛ وهكذا طفقت أبني الأسوار عريضة؛ لتعوق عمليات الاختراق, طويلة؛ لتمنع محاولات القفز, وطليتها بمختلف أنواع الدهانات؛ لتوحي بما ليس في صلبي الشخصي, وثبت أسلاكاً شائكة على سطحها؛ لتمنع أي متسلق من الصعود, وصنعت وسائل للحماية؛ لتدمر كل من تسول له نفسه الاقتراب, وابتكرت أسلحة الدفاع؛ لتؤذي من أشاء وقتما أحب.

واكتملت الأسوار, وابتسمت في رضا وسرور, الآن لن يتمكن أحد من رؤيتي على حقيقتي الفعلية بالداخل, يمكنني أن أفعل ما أشاء داخل أسوار القلعة وتظل صامتة ساكنة, تظهر عكس ما يبطن داخلها, و..

"لقد أصبحت قبراً أبيضاً وبداخلك عظام نتنة"..

سمعت ذلك النداء آتياً من خلف الأسوار, فصحت في باطني..

لا لا, أنت لا تفهم, ما نفع الحياة وأنا ضعيف؟! كيف يمكنني أن أواجه المردة, وأن أثبت ذاتي بين المتفوقين, وأن أتواجد بين العمالقة, وأن أنجح وسط العباقرة؟! يجب أن يميزني شيء ما, ولو لم يوجد سأدعيه, من سيدري, في النهاية أنا لا أخدع سوى نفسي هنا, وضمنياً أخدع الآخرين بعد خداع نفسي, كما أخدع الخالق بنفس الكيفية, فأنا الحقيقية المطموسة تحت طبقات تواجه خصماً لا قبل لها به هو أنا المزيفة التي تريد خداع الجميع.. خداع النفس لتنام ملء الجفون, وتحقق ذاتها, وتنجح في كل مجالات الحياة, العملية والاجتماعية والروحية, خداع الله إذ تصنع نفسها صنماً تتعبده, وتصنع لذاتها دستوراً تصمه ووصايا تصنها, خداع الناس لسعيها لإرضاء الجميع على حساب نفسها ومبادئها المطاطة, ولقهر من لا يتم إرضاؤه لو لزم الأمر على حساب الآخرين وحقوقهم في الوجود. باختصار الخداع يحقق لي الحياة كما يجب أن تعاش, يقولون أن الحياة مسرح, لذا فمن المحبذ أن أصير فناناً قديراً..

يمكنني أن أرتع كما أشاء بالداخل, ففي النهاية أنا فقط هنا. أدخلت الشهوة داخل الأسوار, أنثى بارعة الحسن, وحبلت الخطية التي أنجبت الموت, الذي صار رفيق خفي, وضيف مقيم بالقلعة, فحضوره محسوس وإن كان لا يتكلم..

"لك اسم أنك حي وأنت ميت."

لم أبال, فمن يرى؟! مجنت وفجرت, وانفصل كل اتصال بالعالم الخارجي من فرط الشهوات, وانقطع كل اتصال حقيقي مع أي بشري, ولم أستطع سماع الكلمات..

"واسلمهم الله لذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق."

تجرعت نتائج الموت, فحزنت واسودت الحياة, وحالت لظلام حالك, وانتحبت دون صوت, وليس من يرى أو يسمع, لقد أقمت الأسوار بنفسي؛ لتطيل بقائي ولتدمه بقوة, وها هي تقضي عليّ دون أن أعلم.

مرت قافلة, ألقى أحد الأطفال العابرين فيها حجر على سور القلعة المتين, ثرت غاضباً وبرزت لفورها المدافع الهائجة, وانطلقت منها القنابل الأوتوماتيكية المتصلة بحفر الحمأة العفنة داخل القلعة؛ إذ ضغط الحجر على الزر الذي أثار حفر الحمأة, وأطلق المدافع الدفاعية, وصعدت صرخات القافلة:

-أكل هذا من أجل حجر ألقاه طفل؟!

وانهالت قنابلي كسيول, تفني القافلة, معلنة: لقد استحققتم ما يحدث, أنتم مذنبون. وأكملت حفري النتنة: أنا أتألم, يجب أن تتألموا معي, فذلك الحجر يشبه ذاك الذي ألقى عليّ قديماً وسبب ذلك الجرح الذي ترك تلك الكدمة التي لم أتعاف منها حتى الآن. وأكملت أنا في قهر: سامحوني, لست المتحكم فيم يحدث, لقد تألمت الحفر وأطلقت المدافع بالنيابة عني, بعد أن أوصلت الأسوار الرسالة للحفر لأنها تتغذى على الخوف الخارج من الناس بالخارج, ولو افتقرت الخوف, ستتحول لحطام وتضمحل.

هكذا حافظت استراتيجية ألمي القديم على حياتي من كل ألم مستقبلي, بعزلي عن الحياة, وبدهسي للناس قبل حتى أن أقترب منهم, واستمرت الحياة على ذلك المنوال, حتى أتى الوقت الذي انسابت فيه موسيقى عذبة للقلعة, آتية من قلعة مجاورة, وجدت رسومها الخارجية في منتهى الجمال والفتنة عندما رأيتها عبر نظارتي المكبرة, التي أرى العالم الخارجي عبرها, تأملت أسوار القلعة المجاورة, أقرأ رسومها المنقوشة, وأتلامس مع طلائها المنشور على حبالها المزيفة الغير موجودة, إنها قلعة أنثى فاتنة واثقة ذات أخلاق عالية وطباع رفيعة.

لاحظت منتشياً أن القلعة تقترب مني في تؤدة, ثبت جذوري في الأرض, ورفعت أجهزتي الدفاعية أستعرض امكانياتي, وأخرجت مدافعي وطائراتي. ازدادت قوة قلعتي, وتورد جمال قلعتها, وقد فاح الأحمر في ألوانها بوحشية, وتلوت حروفها في نشوة, واستمر الزحف بطيئاً حتى تلامست أسوارها مع أسواري, وأراحت حملها الخفيف مع أسوارها اللينة على بنياني القوي وأسواري المتينة. ألقيت بحبال لنربط بين القلعتين, وانتعشت حركة الرسل بيننا, ومر الوقت بسرعة حتى أتى اليوم الذي سمعتها تقول فيه.

-ربما ينبغي أن نندمج.

حدثت نفسي: هل يعني ذلك أنني سأهدم قلعتي وابني قلعة تسع كلانا, أم أنني سأبقى في تلك القلعة للأبد؟! سمعت عبداً مقيداً لي, في واقعه جزء مني, يصرخ بثورة:

"ليس خفي لن يستعلن وليس مكتوم إلا ويعرف, وما تهمسون به في المخادع ينادى به على السطوح."

ألصقت كمامة على فمه, وفكرت. لقد هددت أماني الشخصي بتلك الرسالة الصريحة, قربها مني سيعني زعزعة حصوني المنيعة, ومشاركة بقاعي الخفية مع آخر, بقاعي التي لم يلجها سواي, آلامي التي نسيت وجودها وطمرت عليها الطين وبنيت مجدي المزيف عليها وعلوت أسواري على أنقاضها, آلامي التي تثير في داخلي ألماً خفياً كخراج دفين تحت الجلد, كسوس محشور في اللثة, كمارد محجوز داخل مصباح, التي تطلق شررها في وعيي, فأهرب منه إلى الأسوار, وأحتمي فيها من نفسي ومن العالم ومن الله, وأتقوقع داخل وهمي الشخصي في راحة نسبية.

وتحرك ميكانيزم الدفاع الذي أنشأته بشكل تلقائي للزود عن أسوار حمايتي, وبدأت أسلحتي تتجه صوبها بعد أن كانت تزود عنها, وتحميها من العالم الخارجي, وأحدثت ثغرة في سورها, وانفجاراً في منتصف سورها المواجه لقلعتي, ومن كوة خفية أخرجت رأسي أتطلع إليها بدون نظارة مكبرة, وشاهدتها والدخان حولها, ودماء جواريها تغسل أرضية القلعة المهدمة, وسط الحطام تبكي في حرقة داخل القلعة, لاحظتها عن كثب..

قبيحة, متوترة, خائفة, مضطربة, ممثلة تتقن دورها مثلي في مهارة, هي مثلي تعاني, لكنها لا تروض العالم بالقوة, بل بالسحر, تبرز جمالها بدلاً من أن تستعرض عضلاتها. نظرت لها, ثم للأسوار المهدمة, ثم لها, وفجأة رفعت عينها صوبي, فرأتني أختلس النظر إليها من كوتي, واندهشت –هي التي اندهشت- إذ بدوت ضعيفاً متألماً مرعوباً وحيداً, أغلقت الكوة بسرعة, وتواريت في ركن من قلعتي, وشغلت الشريط ليعاد مرة ومرة بعد مرة على شاشات أسواري, وتقوقعت حول نفسي في ألم.

مرت لحظات من سكون أشبه بالموت, لا يمكن تحديد وقعها إذ بدت كدهر من حيث الألم, وكلحظة من حيث الأحداث, وكأنني ولجت نقطة الزمن الصفري, بعدها ودون اتفاق مسبق بيننا فككت الحبال لأحرر قلعتها من ارتباطنا الضعيف, وقامت هي بالزحف مبتعدة.

ارتميت على الأرض في حزن, وعدت للتقوقع, عندما سمعت جلبة شديدة, ثم برز أمامي فجأة وقال:

-سيدي, ثمة هرج داخل الأسوار. الجسد حزين وهائج وثائر وقد كتف الروح وكممها وسجنها في السجن الداخلي.

-ما الجديد؟ لم يكنا أبداً على وفاق. هل من جديد؟

-النفس ترفض محادثتي, وتبكي في حرقة, وبكاءها أحزن الجسد والروح معاً.

-أنت العقل, فكر في أمر ما لتخليص أموركم الداخلية, ولا تزعجني.

-أنت الوعي يا سيدي, أصدر القرار.

-إنني أتعامل مع الكثير من المهازل هنا, الكثير من الحفر, الكثير من الخطط, الكثير من المشاكل, والكل يريد شيئاً مني, النفس تريد العاطفة, والجسد يريد اشباع غريزته, وأنت تريد المعرفة, والروح تريد الله, وينبغي عليّ أن ألبي كل احتياجاتكم, وأن أتعامل بنجاح مع الغابة الخارجية المؤلمة. أنت تهذي. تعامل مع المشاكل الداخلية, أنا لست في حالة تسمح.

-وليكن. ثمة طلاء دخيل على أسوارنا.

-وضح.

-الطلاء المبهج الذي كان لجارتنا التي التصقت بأسوارنا التصق بنا.

-تخلص منه أيها الجندي.

-لا يمكنني, فوقتها لن نعود كما كنا, سيخرج مع الطلاء الجديد طلائنا الأصلي ونتشوه.

-انزع الطلاء وليكن ما يكون, لا أريد أثراً لتلك الجارة المزعجة.

-يوجد احتمال حدوث ثغرة في الأسوار جراء ذلك الفعل.

-يا للعنة!

وطفقت أفكر في حل لتلك المعضلة, عندما سمعت الرسل يتهامسون:

-كانت فاتنة.

-إنها تحبه.

-هو الذي عجز عن بلوغها بانعزاله عن العالم, وعن نفسه.

هنا صرخت:

-اصمتوا.

الرسل مازالوا يحملون الذكرى, ثمة رسائل أخذوها منها, لم أستمع إليها وقتها, ربما لعدم اهتمامي أو لتشويشي, أو لجهلي, مطمورة بعيداً عني في قلب قلوب الرسل المدفونين في باطني اللاواعي. خطر كشف تلك الأسرار في يوم ما سيثير ندمي, ويفجر فزعي, ويغز ذاكرتي بإبرة القدر الصدئة المسنونة المسمومة. وبزغ الحل لذهني, فناديت العقل:

-يا عقل, اشنق الرسل. ورش دمهم على الطلاء الدخيل.

مات جزء داخلي, وازددت ضعفاً من الداخل وتقسيت وزادت قوتي من خارج, العالم الخارجي يصر على أنني استفدت من تلك التجربة, وأن الذي لم يكسرني قواني, إلا أن نزيفي الداخلي أمساني حطام إنسان سليم من خارج مجروح من داخل.

قابلت أناس, حملت قلعتي الثقيلة وتحركت ببطء وزيف صوب اجتماع قلاع, أتى المجتمعون كلٍ يحمل قلعته على كتفيه ويسير بها حيث ساحة الاجتماع التي اصطف فيها القلاع, كل منا أظهر للآخرين أقنعة مرسومة على أسواره, وأسمع الآخرين مقطوعات موسيقية مسجلة ومعادة, وأبهرنا بعضنا بالمهرجين خاصتنا, وأخفنا بعضنا بتسليح حصوننا, وأغشينا عيون بعضنا البعض بجمال أعلامنا, وانتهت المسرحية وبعد انسدال الستار عادت كل قلعة إلى معقلها حيث استقرت مكانها في مهابة الحزن وغموض الكيانات المغلقة, لقد التقيت مع آخرين وكأنني لم ألتق مع أحد, اختلطت وكأنني وحيد, خرجت إلى الآخرين وكأنني لم أبرح ذاتي, تكلمت وسمعت وكأنني مخمور أقول ما لا أعي, تعاملت وكأنني ميت منفصل عن تلك الحياة, وهكذا فعل من معي, إنها ملهاة الحياة, التي نلهي فيها بعضنا البعض كيلا ننتبه لبعضنا البعض ولأنفسنا, نخدر أنفسنا بأنفسنا.

ونمكث آخر اليوم كل في قلعته وحيداً يجتر أحزانه بين جدرانها في وحدة تفوق الوصف, اليوم زارني ذلك الرجل وناداني باسمي يدعوني للخروج, نظرت إليه فإذ به مترجل دون مركبة أو قلعة, يقف بطوله خارج أسوار القلعة, إنه لن يتحملني ولن يقوى على الصمود أمامي, صحت فيه:

-ماذا تريد؟

-أريدك بالخارج. أحتاج للتكلم معك.

-لماذا تريد هذا؟

-متى كانت آخر مرة كلمت فيها بشرياً وجهاً لوجه, قلباً لقلب, عيناً لعين, عقلاً لعقل؟

لقد مر وقت طويل جداً منذ قابلت أحدهم بهذه الكيفية, أطول مما يمكنني معه التذكر, ربما لم يحدث أن قابلت أحدهم بهذه الطريقة, صحت فيه غاضباً لأجبه على السؤال بسؤال:

-ولماذا تريد أن تقابلني بهذا الشكل؟

-لأحررك.

-تحررني من من؟

-من نفسك, من السجن الذي تقيمه لذاتك, أحرر المسجون الذي هو أنت, من السجان الذي هو أنت.

-أنا قوي, صاحب قلعة, صاحب سلطان.

-أنت ضعيف, وقد استخلصت كل ذرة من ذرات ضعفك لتلد قوة استخدمتها في المقام الأول ضد نفسك. لتقيم عليها سجناً ضد الخروج والدخول.

صحت في غضب:

-أنا قوي, اتركني لحالي.

-لن أتركك.

-سأريك.

وأمرت الجنود -إذ شعرت بالتهديد منه- بإطلاق كل أسلحتي الدفاعية على رأسه, وفي مشهد عملاق رأيته وهو يناور الصواريخ والقنابل ويتفادى النيران والدانات, وعندما انتهت الغارة وجدته مصاباً بجرح خفيف, وقبل أن أتشفى فيه قال:

-لا يهمني هذا الجرح, إنه يشعرني بمعنى الحياة ونضال الحب.

-أنت مجنون.

-اخرج.

-لن أخرج.

-تخلى عن قلعتك التي ستتسبب في مقتلك.

-لن يحدث.

ودامت فترة ثقيلة قصيرة من صمت, قال بعدها:

-وليكن سأنصرف الآن, لكن اعلم أنني سأعود قريباً لزيارتك.

سكت لم أفتح فاهي وهو ينصرف في هدوء. وفي وقت لم أتوقعه شنت قلعة غير مرئية حرباً شعواء على قلعتي مستخدمة أسلحة فتاكة قريبة المدى, نثرت عليها المياه لأحدد موقعها, وعندما عرفت مكانها, طارت سريعاً لمكان بعيد عن مرمى أسلحتي, تدكني منه بأسلحة شديدة القوة. وانهار ذلك الجزء الذي ذبحت عليه رسل قلعة الفتاة الفاتنة, عندها اقتربت مني القلعة وصارت تظهر وتختفي لتغير مكانها كل ثانية, لتضربني بنيرانها في معدل زمني غير ثابت, وقبل أن أدرك ما يحدث انتهت ضرباتها.

فجأة انتهت كما بدأت بغتة, لكن المأساة خرجت للوجود وعلمت بعدها أنني لن أعود كما كنت. كل مار يؤذيني بطريقته, واحد بسبة وآخر ببصقة, واحد بنظرة شفقة وآخر برمقة قسوة, واحد بصفعة وآخر بركلة, واحد بتجاهل تام وآخر بهيمنة مسيطرة. بكيت ومر الزمن بطيئاً مؤلماً..

رآني بضعة أطفال مجروحاً في دمي, مقهوراً في دمعي, منهكاً في عرقي, ممتصاً في جوعي, جافاً في عطشي, في حال يرثى لها, أقرب إلى الموت؛ فانهالوا عليّ بالأحجار والعصي حتى تضاعفت دمائي مع قهري في مجرى حزني في نهر ألمي, لقد كنت أواجه عمالقة قبل تلك الكسرة, الآن لا أقوى على إقامة ظهري أمام بضعة أطفال.. الأدهى أنه ليس ثمة حلفاء أو أصدقاء, الوجع يأتي من الجميع, ولم تعد فيّ طاقة للمواجهة بعد انهيار الأسوار, وليس في قلبي المتألم الموجوع اليائس قدرة على الغفران.

مكثت في تلك الحالة المزرية حتى فاجأني الرجل الذي أتاني قبل القلعة الضاربة, دخل إلى حيث أجلس عارياً, ضعيفاً مجروحاً على الأرض المبتلة الباردة بوجه مشوه بعين لا تقوى على مفارقة الأرض بأنف مكسور بفم مرتعش برمش مرتجف بقلب مضطرب بنفس مرتعبة بروح منزعجة بجسد محطم.

وصمت طويلاً ينظر إليّ في حب ليس فيه هوان الشفقة, أو قوة القسوة, وأخيراً بعد أن شعرت بوجوده وبعينه الحانية ربت براحته على كتفي في عطف, وبعد أن امتصصت لمسته قال بهدوء:

-لا تخف.

ابتسمت بملامح مرتعشة لا تتذكر كيفية التعامل دون أسوار, وقلت في مرارة:

-انظر ما حدث لي.

صمت في حين أكملت أنا:

-لقد انتهيت.

قال في عمق:

-لم تنته, إنها مجرد البداية.

صحت في وجع:

-كيف تقول هذا؟! لقد تدمرت بالكلية, لا أرى حلاً لما يجرى هنا, لقد تعريت من خارج وجرحت من داخل.

-جرح الداخل موجود منذ صغرك بين ضلوعك أقدم مما تتذكر, وتعرية الخارج في صالحك وليست ضدك كما أن الحل موجود.

-أنت تهذي ولاشك.

قلتها في دهشة, ثم قلت كمن يتعلق بطوق نجاة:

-وما هو الحل؟

قال في سرعة وثقة:

-انسف ما تبقى من تلك الأسوار اللعينة بيدك, لقد كتفتك وقيدتك بأكثر مما حمتك, ومنعتك عن الحياة, وفصلتك عن العالم وعن نفسك, وشوهت رؤيتك للكون, وجعلت هدفك الأوحد حماية ذاتك, لا عبادة خالقك أو الخروج للناس أو الإثمار في الأرض, هدفك الأوحد صار البقاء, فلم تختلف عن إنسان الغابة  البدائي المتوحش الذي جل ما يهتم به هو حياته.

قلت في ألم:

-أنا لست بهذا السوء.. أنا أتعامل مع الناس وأعبد خالقي.

قال في ألم:

-في الواقع لقد طوعت الوصايا لتتناسب معك, صانعاً لنفسك دستوراً, عابداً نفسك في قلبك, فقط لتنام آخر الليل ملء جفونك, لم تتبع وصايا الله, لأنك ترفض أن تسلم له إدارة حياتك, وتصر على إدارة الدفة بنفسك, كما أنك في واقع الأمر ترى الله من واقع عينك المشوهة المطلية بالقشور, كذلك تتعامل مع الناس بشخصية لا تقترب منهم, شخصية ترى نفسها فوق البشر, فتتعامل معهم بتعالي غير معلن, قد يلبس رداء التواضع المزيف كنوع من التمويه ولكن الزيف واضح لا تخطئه العين, فأسوارك تخول لك الحصول على ما تبتغيه من الناس دون أن تظهر على حقيقتك.

قلت في عناد:

-أنا لست في ذلك الانتفاخ.

قال:

-أنت متكبر على الناس في أسوارك, لكنك مصاب بصغر نفس في داخلك وبذنب ضخم نشأ عن عقدة نقص, فتحمل طرفي النقيض في يد واحدة, الكبرياء والدونية, وتنكوي بنار الدونية وتتجمد من برودة الكبرياء.

رمقته في استنكار وهو يكمل:

-استمع لكلامي وتعالى معي للخارج لتعيش حياة حقيقية لتنجرح حقيقة وليلتئم جرحك, لتتألم وتفرح, لتختبر مشاعر حقيقية لا غش فيها, لتلمس الهواء, لتعانق الأرض, لترى الناس, تعالى معي.

قلت:

-سيدهسني الناس بالخارج.

-ستجد نفسك وتعرفها, ثم تحبها وتحترمها, ثم تحب الناس حب حقيقي, وتعرف محبة الله طريقها لقلبك الحجري, وستعيش على طبيعتك بمنتهى الراحة, ثم إن الناس دهسوك رغم أسوارك, واخترقوك في حصونك, الأمر يستحق المخاطرة, ثم أنه الصواب الحقيقي. أصوب قرار ستأخذه في حياتك.

واتتني قوة ضئيلة وقناعة كبيرة, ونهضت متوجعاً, وسرت معه أختبر ما قال بعد أن أصدرت أوامري بتسريح قوى الخداع, وبخلع أقنعة الزيف, وبهدم أسوار الحماية, وشعرت بالهواء وتلامست مع الواقع وانتابتني نشوة الوجود. وصرت الآن أسير بلا قلعة معرضاً لكل أذى, لكنني بلا خوف من شيء أو شخص, لأنني محمي من خالقي وربي وإلهي, أسير بإيمان كلي بربي نتج من ألم لا شفاء منه بدونه, برجاء في الحياة الأخرى إذ قانون تلك الحياة التعب والألم والوجع, أسير بمحبة تكفل لي الحياة..

 

26 مايو 2010

عماد ميشيل