الإنسان

جبران خليل جبران/ سوفوكليس ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٢

الطريق


كانت امرأة تعيش في أعالي الربى مع ابنها، وكان بكرها ووحيدها، الذي تنفق عليه كل ما في قلبها وحياتها من عطف وحنان.
ومات الولد بحُمى فاجأته، والطبيب واقف بجانبه. وسحق الأسى قلب الأم وراحت تصرخ وتولول، وتخاطب الطبيب قائلة: "قُل لي! قل لي! ما الذي أسكن حركته، وأسكت غناءه؟"
قال الطبيب: "إنها الحُمى"
قالت الأم: "وما هي هذه الحُمى"
أجاب الطبيب: "لا أستطيع شرحها. إنها شيء متناه في الصغر يزور الجسم، ولا نقدر على رؤيته بالعين المجردة"
ثم تركها الطبيب، وراحت تكرر ما قال لنفسها: "شيء متناه في الصغر، لا نقدر على رؤيته بالعين المجردة"
وجاء الكاهن في المساء يعزيها، فراحت تبكي بين يديه وتعول قائلة: "لماذا فقدت ولدي، ولدي الوحيد، ولدي البكر"
أجاب الكاهن: "إنها يا ابنتي مشيئة الله!"
قالت المرأة: "ما هو الله وأين هو الله؟ أريد أن أشاهده لأمزق صدري أمامه، وأنزف دم قلبي على قدميه، قل لي أين أستطيع أن أجده؟"
قال الكاهن: "الله رحب لا نهاية لرحابته، ولا سبيل إلى رؤيته بالعين البشرية المجردة"
صرخت المرأة عند ذاك: "إن الشيء الذي لا نهاية لصغره أهلك ولدي من خلال مشيئة الذي لا نهاية لكبره! ونحن؟ ما نحن إذن؟ ما نحن؟"
وأقبلت أم المرأة في تلك اللحظة وولجت الغرفة ومعها كفن الصبي وكانت قد سمعت كلمات الكاهن، وصراخ ابنتها، ورمت بالكفن إلى الأرض، وأخذت يد ابنتها بيدها، وقالت: "نحن يا ابنتي الشيء الذي لا نهاية لصغره، ولا نهاية لكبره، معاً. نحن الطريق بين الاثنين"

جبران خليل جبران

من كتاب التائه


كثيرة هي العجائب، ولكن لا يوجد
شيء أكثر مدعاة للعجب من الإنسان
فإنه يعبر البحر العاصف
ويقود سفينته بواسطة
الرياح الجنوبية وسط الأمواج
التي تتدافع واحدة تلو الأخرى.
كما أجهد الأرض الخالدة،
أقدم الربات التي لا تهدأ مطلقاً،
وهو يحرثها عاماً بعد عام
بمحراثه الذي تجره الخيول
كما أوقع في شباكه
أجناس الطير وجموع الحيوانات
المتوحشة في غفلة منها.
وبشباكه المصنوعة من الخيوط صاد الأسماك
إنه الإنسان شديد المهارة
قد تحكم بعقله في الحيوانات
التي كانت تهيم في التلال، واستأنس
الحصان، أشعث الشعر، وجعله
يألف اللجام الذي أحاط به عنقه
وكذلك فعل مع ثور الجبل القوي
لقد علم نفسه اللغة والتفكير
السريع مثل الريح،
وقواعد الحياة المتحضرة، وعرف كيف
يحمي نفسه من لسعات البرد
القارس، واخترع كل الوسائل
ليقي نفسه ضربات الرياح
ولم يتقدم نحو المستقبل
وهو قليل الحيلة. الموت وحده
هو الشئ الذي لم يجد منه مهرباً،
رغم أنه اخترع وسيلة للهرب من
الأمراض الفتاكة التي لا تقاوم.
إن ما اخترعه من فنون
يفوق كل التصورات
وهي تأخذه إلى الشر أحياناً وإلى الخير أحياناً أخرى:

سوفوكليس

من مسرحية "انتيجوني"


"عظيم هو الإنسان، وبائس أيضاً هو الإنسان."

بليز باسكال – "الأفكار"